علي بن حسن الخزرجي

901

العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن

وأبو بكر « 1 » الأصبحي من " الذنبتين " « 2 » وغيرهم ، ولازم الفقيه طريق الخمول فكان يدرس في بيته في الغالب ، فإذا صلّى في الجامع صلّى في المؤخر ، وكان متورعا متترها عن صحبه الملوك ومخالطة الأمراء وأخذ جوائزهم وقبولها ، وأجمع أهل زمانه على نزاهة عرضه وجودة علمه وشدة ورعه ، وشهد بفضله المخالف والمؤالف واعترف له بالسبق كل عارف ، وكان ذا عبادة يخرج في كل ليلة من منزله بعد هدوء الليل واشتغال الناس [ حلوة ] « 3 » النوم ، فذكر بعض من يبيت في المسجد أنه رأى الفقيه ليلة وقد دخل المسجد وجعل يتأله ، ثم صلّى ما شاء اللّه في المحراب ثم خرج من المسجد فتبعه الرجل فلما صار على باب المدينة انفتح له الباب فخرج الفقيه وتبعه الرجل مسرعا فسار الفقيه حتى وصل موضع قبره الآن ، فأحرم بالصلاة وجعل يتركع حتى صعد المؤذن المنارة فأخف صلاته وعاد للمدينة كما خرج فانفتح له بابها ثم باب المسجد فلما صلّى الصبح قعد يذكر اللّه والرجل في كل ذلك يراقبه من حيث لا يشعر ، ثم دنا منه وقبل يده وأخبره بما رأى منه في حالاته كلها ، فقال له الفقيه إن أحسنت الصحبة فلا تخبر أحدا ما دمنا في الحياة فلم يخبر الرجل بذلك إلا بعد وفاة الفقيه . وكان يخبر بكرامات الفقيه ، وكرامات الفقيه كثيرة جدا ، ولم يزل الفقيه على الحال المرضي إلى أن توفي ، وكان وفاته في أحد الربيعين من سنة أربع عشرة وخمس مائة ، وقيل من سنة خمس عشرة وخمس مائة واللّه أعلم ، وقبر في المقبرة الغربية من مدينة " الجند " وتربته هنالك مشهورة كثيرة الزوار ، وقل ما قصدها « 4 » ذو حاجة إلا قضى اللّه حاجته نفعنا اللّه به في الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) ستأتي ترجمته . ( 2 ) الذّنبتين : قرية عامرة مشهورة في بادية مدينة " الجند " ، وتقع في الشمال الغربي منها على بعد نحو أكثر من 15 كم ، كانت من القرى المقصودة لطلب العلم لكثرة علمائها . انظر . إسماعيل الأكوع ، هجر العلم . . . ، 2 / 715 . المقحفي ، معجم المقحفي ، 1 / 651 . ( 3 ) وردت عند الجندي ، السلوك ، 1 / 267 " حلاوة " وهو الصواب . ( 4 ) وهذا الكلام فيه نظر كما أشرنا في هامش الترجمة ( رقم 390 ) فارجع إليه .